عبد العال سالم مكرم

75

من الدراسات القرآنية

على أن الطبري لم ينكر هذه الآثار المروية عن ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، بل يقرر صحتها من وجه آخر ، غير ما يدعيه هؤلاء الذين يقررون أنها أعجمية فيقول : « فلو أن قائلا قال فيما ذكرناه من الأشياء التي عددنا ، وأخبرنا اتفاقه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ، وما أشبه ذلك عما سكتنا عن ذكره ، ذلك كله عربى لا فارسي ، أو قال : بعضه عربي ، وبعضه فارسي ، أو قال : كان مخرج أصله عند العرب ، فوقع إلى العجم فنطقوا به ، أو قال : كان مخرج أصله عند الفرس ، فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهلا إلى أن يقول : بل الصواب في ذلك عندنا أن يسمى عربيا أعجميا ، أو حبشيا عربيا إذا كانت الأمتان له مستعملتين إلى أن يقول : « وذلك هو معنى ما روينا عنه القول في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب من نسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الروم ، لأن من نسب شيئا من ذلك إلى ما نسبه إليه لم ينف بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه أن يكون عربيا » « 1 » . وتتفق وجهة نظر أبى عبيدة معمر بن المثنى مع الإمام الشافعي والطبري ، فيقول : « نزل القرآن بلسان عربى مبين ، فمن زعم أن فيه غير العربية ، فقد أعظم القول ، ومن زعم أن ( طه ) بالنبطية فقد أكبر ، وقد يوافق اللفظ اللفظ ، ويقاربه ، ومعناهما واحد ، وأحدهما بالعربية ، والآخر بالفارسية أو غيرها » « 2 » . ومع أن أبا عبيدة دافع عن عروبة هذه الكلمات إلا أن الإمام اللغوي الزبيدي صاحب تاج العروس ينسب إلى أبى عبيدة رأيا آخر يوفق بين المانعين والمجوّزين يقول : « قال أبو عبيدة : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الحروف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فأعربتها بألسنتها ، وحولتها من ألفاظ العجم إلى ألفاظها ، ثم لما نزل القرآن ، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب ، فمن قال : إنها عربية ، فهو صادق ، ومن قال : عجمية فهو صادق » « 3 » .

--> ( 1 ) الطبري ج 1 ص 9 . ( 2 ) مجاز القرآن ج 1 ص 18 . ( 3 ) تاج العروس ص 9 .